المستشار  احمد  عثمان الخبير التربوى  يكتب  :إعادة الاعتبار للانضباط والهوية .. قراءة في قرارات  الوزير  محمد عبد اللطيف

السبت 20 يونيو, 2026

بكل  صدق  وصراحة  اسجل  اشادتى  وتقديرى لكافة الاجراءات  والقرارات والتوجيهات الوزارية التى  صدرت  ونفذت  فى  هذا  العام  الدراسي  المنقضى 2026/ 2025 ..
فالمعروف  والمؤكد  حين نتحدث عن نهضة أي أمة .. يأتى  التعليم في المقدمة ..  ليس لأنه مجرد نقل معرفة من كتاب إلى عقل .. ولكن لأنه المصنع الحقيقى  للإنسان  الذى   إذا استقام عقله ووجدانه  استقام معه المجتمع كله...   
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية القرارات الأخيرة لوزارة التربية والتعليم التي استهدفت ضبط إيقاع العملية التعليمية، وإعادة الجدية للفصول، ودفع الطلاب للالتزام بواجباتهم، وإعادة الاعتبار للمواد التي تشكل وجدانهم وهويتهم.

سنوات طويلة عانى فيها المعلم والطالب_ على حد سواء_ من حالة من التراخي الإداري داخل بعض المدارس  من   غياب غير مبرر  و تأخر عن الحضور  .. وعدم  الالتزام بالزى المدرسى  ..  ومشاهد لا تليق بمكان يُفترض أنه منبع التربية قبل التعليم. 

وجاءت  القرارات  الأخيرة لتعيد  الاعتبار لهيبة المدرسة من خلال ، تفعيل دور لجان المتابعة بالإدارات والمديريات، وربط التقييم بالإنجاز الفعلي على الأرض..
 لم يعد الأمر مجرد تقارير ورقية تُرفع نهاية الشهر، بل أصبح هناك محاسبة حقيقية على الأداء. 
والنتيجة المباشرة لهذا التوجه هي شعور الطالب أن هناك نظاماً لا يتساهل، ومعلماً لا يتغاضى، وإدارة لا تغمض عينها. وهذا وحده كفيل بإعادة الطالب إلى مقعده، وإعادة المعلم إلى دوره القيادي داخل الفصل.
..   العودة إلى المذاكرة الحقيقية ورفض ثقافة "النجاح بأي ثمن"
واحدة من أخطر الآفات التي ضربت التعليم في العقد الأخير هي شيوع ثقافة الغش، والاعتماد على الملخصات الخارجية، والتعامل مع المدرسة كمجرد محطة للحضور الشكلي. الطالب أصبح يذاكر ليلة الامتحان، وينجح بأقل مجهود، ويخرج إلى الحياة صفر اليدين من المهارة والمعرفة والانضباط.
الوزارة أدركت أن هذه الظاهرة لا تُحل بتغيير شكل الامتحان فقط، بل بتغيير المناخ العام داخل المدرسة. لذلك جاءت القرارات لتفرض حضوراً فعلياً، وواجبات يومية، ومتابعة مستمرة، وتقييمات دورية لا يمكن تجاوزها. 
الهدف ليس تعذيب الطالب، بل إعادة تعليمه معنى الالتزام. فالطالب الذي يعتاد على المذاكرة اليومية، وعلى مراجعة دروسه أولاً بأول، وعلى احترام المواعيد ..  سيحمل هذه العادة معه في الجامعة وفي العمل وفي الحياة كلها.

ومن  أخطر ما حدث في السنوات الماضية ايضا  .. تهميش مواد بناء الشخصية.. فاصبحت  التربية الدينية مادة للحفظ السطحي، والتربية الوطنية والتاريخ  للنجاح فقط، لا للفهم والانتماء  ..وجاءت القرارات الأخيرة  لتعيد  لهذه المواد وزنها الحقيقى ، سواء بإدخالها ضمن شروط النجاح، أو برفع نسبة حضورها في الجدول، أو بتوجيه المعلمين للتركيز على الفهم والقيم بدلاً من التلقين. 

وهذا توجه في غاية الأهمية. لأننا لا نحتاج فقط إلى مهندس ماهر أو طبيب متفوق، بل نحتاج إلى مواطن يعرف دينه فيفهم معنى الأمانة والرحمة والعدل، ويعرف تاريخ بلده فيفهم لماذا يضحي الأجداد، ويعرف قيمة وطنه فيدافع عنه بالعلم والعمل لا بالشعارات.
التربية الدينية تعالج فراغ الروح، والمواد القومية تعالج فراغ الهوية. وإذا خسرنا الاثنين، خسرنا الجيل كله مهما ارتفعت درجاته في الرياضيات والفيزياء.
الوزير لم يلقِ بالمسئولية كاملة على المدرسة، بل فتح قنوات تواصل مباشرة مع أولياء الأمور، وألزم المدارس بإرسال تقارير دورية عن مستوى الطالب وانضباطه لولى امره .. وهذا تكامل صحي جداً. 

البيت لا يمكن أن يتخلى عن دوره ويترك المدرسة وحدها في المعركة. والأب والأم اللذان يتابعان ابنهم، ويسألان عن واجبه، ويمنعانه من السهر على الهاتف حتى الفجر، هما شريكان في نجاح هذه المنظومة.

باختصار .. هذه القرارات ليست عصا غليظة على الطالب، بل هي محاولة لإعادته إلى الطريق الصحيح. الطريق الذي يجعل من المدرسة مكاناً للتربية والتعلم، ومن الطالب شخصية مسئولة، ومن المواد القومية والدينية حجر الأساس في تكوينه.

التجربة تحتاج إلى صبر ومتابعة وتقييم مستمر، لكن المؤشرات الأولية تبشر بأننا نسير في الاتجاه الصحيح. وإذا استمر هذا النهج، فسنرى خلال سنوات قليلة جيلاً مختلفاً .. أكثر التزاماً، أكثر وعياً، أكثر انتماءً، وأكثر قدرة على حمل مسئولية هذا البلد.

والتعليم الذي يبني الإنسان، هو وحده التعليم الذي يستحق أن نراهن عليه.